ابن أبي الحديد
82
شرح نهج البلاغة
ومحمد بن أبي بكر يومئذ أميرها قد ناصبه هؤلاء النفر الحرب ، وهم هائبون الاقدام عليه ، فدفع الكتاب إلى مسلمة بن مخلد ، فقرأه فقال : الق به معاوية بن حديج ، ثم القنى به حتى أجيب عنى وعنه . فانطلق الرسول بكتاب معاوية فأقرأه إياه ، ثم قال له : إن مسلمة قد أمرني أن أرد الكتاب إليه لكي يجيب عنك وعنه . قال : قل له فليفعل ، فأتى مسلمة بالكتاب فكتب الجواب عنه وعن معاوية بن حديج : أما بعد ، فإن هذا الامر الذي قد ندبنا له أنفسنا ، وابتغينا الله به على عدونا أمر نرجو به ثواب ربنا ، والنصر على من خالفنا ، وتعجيل النقمة على من سعى على إمامنا ، وطأطأ الركض في مهادنا ، ونحن بهذه الأرض قد نفينا من كان بها من أهل البغي ، وأنهضنا من كان بها من أهل القسط والعدل . وقد ذكرت موازرتك في سلطانك وذات يدك ، وبالله إنه لا من أجل مال نهضنا ، ولا إياه أردنا ، فإن يجمع الله لنا ما نريد ونطلب ، أو يرينا ما تمنينا ، فإن الدنيا والآخرة لله رب العالمين ، وقد يثوبهما الله جميعا عالما من خلقة ، كما قال في كتابه : ( فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين ) . ( 1 ) عجل لنا بخيلك ورجلك ، فإن عدونا قد كان علينا جريئا ( 2 ) وكنا فيهم قليلا ، وقد أصبحوا لنا هائبين ، وأصبحنا لهم منابذين ، فإن يأتنا مدد من قبلك بفتح الله عليك ، ولا قوه إلا بالله ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . قال : فجاء هذا الكتاب معاوية وهو يومئذ بفلسطين ، فدعا النفر الذين سميناهم من قريش وغيرهم ، وأقرأهم الكتاب ، وقال لهم : ماذا ترون ؟ قالوا : نرى أن تبعث إليهم جيشا من قبلك فأنت مفتتحها ، أن شاء الله بإذن الله . قال معاوية : فتجهز إليها يا أبا عبد الله - يعنى عمرو بن العاص - فبعثه في ستة آلاف
--> ( 1 ) سورة آل عمران 148 ( 2 ) كذا في ج ، وفى ا ، ب : ( حربا ) .